لم يكن انعقاد الملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة سبباً بل نتيجة. لكن انعقاده في بيروت كان مؤشراً بالغ الدلالة على دور عاصمة الحرية والمقاومة في ريادة الممانعة، وفي انتصار معادلة المقاومة والكرامة على معادلة المساومة والمذلة ... لم يكن الملتقى مناسبة عابرة لإلقاء الخطب الرنانة، وكفى المستمعين من خطبائها عبء النضال، بل كان محطة تلاقٍ وتقاطُع وتفاعُل لممثلي القوى المقاومة في الأمة وعالم العرب الأوسع، حيث بدت الشعوب توّاقة الى الغد المكتوب بأفعال الفداء وتراكم الانتصارات التي تستحقها كل أمةٍ أولوياتها العطاءُ والتضحية ووقفة العز.
من فلسطين الى لبنان ومن سورية الى العراق، مرت بلادنا وما زالت تمر في حلقات من الأخطار أراد لها الأعداء أن تكون حلقات جهنمية، تسحق شعبنا وتمزق نسيجه، بعد أن انتقلت الاستراتيجية المعادية والمشروع المعادي من مرحلة التجزئة الى مرحلة التفتيت، ولعل شعار "أمن إسرائيل" كان التعبير العمليّ والمكثف عن الاستهداف البعيد المدى لأمتنا ووحدتها الداخلية وعوامل نموها ونهضتها.
صحيح أن المشروع حقق نجاحات على بعض الساحات، لكن شعبنا صمد في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، برغم التفاوت في ميزان القوى، خصوصاً خلال القرن الماضي، وبرغم المؤامرة المحبوكة على المستوى الدولي لتركيع شعبنا وتطويعه، إلا أن إرادة الكرامة لديه تغلّبت على عوامل القهر والانهزام فعبّرت عن نفسها بثقافة المقاومة وأعمال المقاومة، وها هي أضواء الانتصار تلوح منذ عام 2000، وتسطع منذ 2006 ، تمهيداً لبزوغ الفجر الجديد الأبهى.
كان المقاومون ولا يزالون متضلّعين من قدوات تاريخهم، ومن مخزون البطولة الزاخر في تراث أمتهم الثقافي- السياسي- القومي. لقد كانوا وما زالوا أبطالَ ردعٍ ودفاع واندفاع، فكان منهم الأسرى والمعتقلون والشهداء الأطهار ... كان منهم العامل والصانع والزارع والمربي والجندي والكاتب والمقاتل، وجميعهم مقاومون بما ملكتْ أَيْمانهم من عزيمة وشكيمة وإقدام وعطاء. فتحية لهم جميعاً، للبطون التي حبلتْ بالعز والمجد الساكنَيْن فيهم، والمتوارَثيْن بالوعي جيلاً بعد جيل، ونضالاً متصلاً بنضال.
كل حديث عن الأرض المستعادة بغير لغة الشهادة لغو، وكلنا يتذكر التضليل الاعلامي الذي وصف بعض الشهداء الطليعيين بصفة "المجانين"، فقلنا :
نعم، مجانينُ، إلا أن سِرّ جنونهم
عظيمٌ على أعتابه سَجَدَ العقلُ
إن "نداء بيروت" المنطلِق داوياً، بالأمس، من هضاب "مارون الراس" التي تعانق فلسطين وترنو الى الجولان، هو نداء الدعم المعنوي والسياسي لمقاومة شعبنا البطل ضد العدو المحتل الغاصب.
ولعل النداء الداوي في وجداننا منذ ثمانية وسبعين عاماً، يجب ان يتجدد يومياً في وجدان شعبنا من الناقورة الى شبعا، من مرجعيون الى حاصبيا، من الساحل الى الجبل والبقاع ومن أقصى الجنوب الى أقصى الشمال، فالمقاومة معادلة حقوقية قبل أي شأن آخر، ولذلك فهي معادلة منتصرة.
كل ما عدا ذلك باطل، وباطل الأباطيل أن لا يكون للعدو المتغطرس وتهديداته مصير الإنهزام، ولمقاومة شعبنا مصير الإنتصار الفاصل وتغيير مجرى التاريخ، إننا ندرك ما عاناه شعبنا وما قاساه لأننا منه وله، لذلك ندرك كم يستحق الحياة الحرة الكريمة، وكم هو جدير بالإنتصار.
إن المقاومة هي المقاومون على شتى الصُعُد، والانتصار هو المنتصرون، بالحياة أو الاستشهاد، على الموت والذل والخنوع، وشعبنا قد حسم خياره فاعتبر المساومة مقامرة، والمقاومة معادلة انتصار.
إفتتاحية البناء 18 / 1 / 2010