جدول الأعمال الأميركي لتصفية المقاومة
بين ديبلوماسية ميتشيل المخادعة وسطحية شركائه في لبنان
موقع الحزب الرسمي
معن حمية
كلما اطلّ مسؤول أميركي برأسه الى لبنان، تنفرج أسارير "فلول 14 آذار" في لبنان، فيتسابقون لتذكير الزائر الأميركي بجدول الأعمال الذي بحوزتهم منذ ما قبل تعثر مشروع أميركا المتأسرل في لبنان والمنطقة.
وبالمناسبة فان الجدول المذكور يحوي كماً من الملفات والمواضيع، بما لا يتناسب مع طبيعة المهمات الأميركية الجديدة، التي يأتي لأجلها هذا المسؤول أو ذاك. خصوصاً وأن قدرة التأثير الأميركي راهناً تختلف كلياً عما كانت عليه بعد سقوط بغداد وصدور القرار 1559.
فأميركا خاضت حرباً شرسة بواسطة "اسرائيل" ضد لبنان، وعجزت عن تحقيق أهدافها، وقد تسرعت الوزيرة كوندوليزا رايس وقتذاك حين وصفت الحرب على لبنان (2006) بأنها مخاض ولادة "شرق أوسط جديد"، لأن المخاض المذكور كرس واقعية "شرق أوسط مقاوم".
وينفع هنا، التذكير بأن الملفات والمواضيع التي كانت موضوعة على جدول الأعمال الأميركي ـ الصهيوني للبنان هي: القضاء على المقاومة وسلاحها، توطين الفلسطينيين، تفتيت لبنان وتقسيمه، عزل لبنان عن محيطه العربي وفك ارتباطه بسوريا وجعله مصدر تهديد لأمنها، وفرض 17 أيار جديد على لبنان، ونقله نهائياً من ضفة المقاومة والعروبة إلى ضفة "اسرائيل" وأميركا.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية بادارتها الجديدة ـ القديمة مشدودة الى هذه العناوين بالجملة، لكنها لا تبالغ كثيراً بالقدرة على إستخدامها دفعة واحدة نزولاً عند رغبات "فلول 14 آذار"، فهذه الإدارة بعكس أدواتها في لبنان تدرك أن أموراً كثيرة تغيرت في لبنان وفي عموم المنطقة، وما كان يمكن أن يحصل قبل حرب تموز 2006، فانه بعد هذه الحرب أصبح صعباً لا بل متعذراً. وتدرك أيضاً أن اللوحة اللبنانية ليست وحدها هي من قلب الأمور رأساً على عقب، بل يضاف إليها جملة أحداث وتطورات دولية وإقليمية وعربية. فروسيا استنفرت قواها لمواجهة الأخطار التي حاصرتها في آسيا الوسطى، وثارت ثائرتها ضد جورجيا موجهة بذلك رسالة قوية للولايات المتحدة الأميركية، ثم دخلت حلبة النقاش المتكافئ حول مشروع الدرع الصاروخي. أما فرنسا المتأذية من القيود ألأميركية التي تفرض على مصالحها في العراق، فقد اختارت بعد خروج جاك شيراك من رئاستها، أن تتحرك خارج الإيقاع الأميركي، وشقت طريق الدبلوماسية نحو سوريا، من دون الحاجة إلى مظلة أميركية.
إيران بدورها، استمرت على خيار معاندة أميركا، معلنة تمسكها بحقها في امتلاك الطاقة النووية لأغراض سلمية، واستطاعت أن تفرض معادلة فيها نوع من التوازن على مستوى القرار في مجلس الأمن الدولي، ما شكل إحباطاً للجهود الأميركية الرامية إلى فرض عقوبات دولية عليها، في حين تمكنت تركيا، من الإبتعاد تدريجياً عن التأثير الأميركي، محتفظة لنفسها بتعليل أسباب هذا الابتعاد، وهو الأمر الذي لم تناقشها فيه الإدارة الأميركية التي تسدد للقوى الكردية العراقية فاتورة مساندتها لها في الحرب على العراق.
إضافة إلى ذلك، انفرط عقد ما يسمى حلف قوى "الاعتدال العربي"، نتيجة التراجع السعودي عن الإستمرار في هذا الحلف، فاتجهت السعودية نحو التقارب مع سوريا، لينعكس هذا التقارب حلحلة للوضع في لبنان، على قاعدة التمسك بخيارات لبنان الوطنية وعلاقاته العربية وخصوصاً مع سوريا، ما شكل صدمة كبرى لأميركا وحلفائها.
كل هذه التطورات التي طفت على المسرح العربي والإقليمي والدولي، تؤشر إلى أن الولايات المتحدة الأميركية ومعها "إسرائيل" غير قادرة على تنفيذ جدول أعمال ممتلئ بالملفات اللبنانية، فبالكاد تستطيع الإدارة الأميركية أن تضغط في ملف واحد، وهو كيفية التحريض على المقاومة والتشهير بسلاحها، كون هذا الملف يشكل مطلباً "إسرائيلياً" بامتياز.
لذا، لا يستطيع المبعوث الأميركي إلى المنطقة جورج ميتشل أن يلبي رغبة شركائه في لبنان بطرح كل العناوين المدرجة على جدول أعمال سابق. لكنه بالتأكيد يستطيع أن يضع كل العناوين ضمن مقاربات إدارته لما يسمى عملية التسوية، فبمجرد أن يطرح ميتشل إطلاق عملية التسوية مع "إسرائيل" على كل المسارات، من دون أية التزامات أميركية بإخضاع "إسرائيل" لشروط التسوية، معنى ذلك أن الإدارة الأميركية ما زالت تتبنى في مقارباتها وسياساتها الرؤية "الإسرائيلية" للتسوية والتي تقوم على أساس "السلام مقابل السلام". وهذا أمر مرفوض بالمطلق من حركات المقاومة وأحزابها في فلسطين ولبنان، ومن دول الممانعة في المنطقة المعنية مباشرة بالصراع العربي ـ الصهيوني.
وبمعزل عن أي جدول أعمال أميركي، سواء ما قبل أو ما بعد الاندفاعة الأميركية المتوحشة، لا بد من التأكيد بأنه ليس هنالك من إختلاف جوهري بين غايات ميتشل من طرح التسوية على كل المسارات، وبين أحلام شركائه في لبنان بحسب وصف المسؤولين الأميركيين لهم.
فميتشل وكل إدارته يريدون رأس المقاومة ونزع سلاحها، وهذا هو هدف السعي الأميركي لتنشيط مسارات التسوية. وتتأكد طبيعة هذا الهدف من خلال إقرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بـ "صعوبة" إحياء عملية "السلام" والمبالغة بالقدرة على اقناع الفلسطينيين والصهاينة، وموقف أوباما هذا يكشف حقيقة مهمة ميتشل.
أما "فلول 14 آذار" في لبنان فيريدون تحقيق نفس الهدف، لكن سطحيتهم تجعلهم مكشوفين أكثر من الأميركي. فبعضهم يقول أن سلاح المقاومة يشكل ذريعة لـ "إسرائيل" لشن حرب جديدة على لبنان، والبعض الآخر يقول إن طاولة الحوار هي فقط لبحث سلاح حزب الله، وبعضهم الآخر يقول أن الطروحات الاصلاحية ومنها طرح تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية هو للتعمية عن مناقشة موضوع سلاح المقاومة.
الفرق بين ميتشل و"فلول 14 آذار"، أن الأول يعتمد دبلوماسية مخادعة وينافق حين يزعم بأن بلاده ترفض توطين الفلسطينيين، بينما شركاؤه اللبنانيون سطحيون وسذج. لكن يبقى أن الهدف واحد وهو النيل من المقاومة وسلاحها.
ويبقى السؤال، أية مسارات يستطيع ميتشل تحريكها في حين يقر رئيسه بالصعوبة والمبالغة؟، وهل يعلم هو و"فلول 14 آذار"، ان موضوع المقاومة وسلاحها، لا يقارب بهكذا عقليات، ولا بالخداع ولا بالسطحية؟!
اذا كان الاميركيون يحاولون فرض شروط تسبق التسوية بانهاء حالة المقاومة، فهم واهمون، واذا كان شركاء الاميركيين يتذرعون بان سلامة لبنان من خطر تهديدات "اسرائيل" هو بنزع سلاح المقاومة، فهم واهمون ايضاً.
ان جدول الاعمال الوحيد الذي يجب ان يلتزم به اللبنانيون جميعاً هو كيفية الوصول الى دولة مدنية ديمقراطية قوية وقادرة، تستفيد من كل عناصر القوة وفي طليعتها المقاومة. أما الذين لا يرون في المقاومة عنصر قوة للبنان في مواجهة الخطر الصهيوني، فهؤلاء لا يريدون الدولة، ولا يريدون لبنان سيداً حراً مستقلاً.
إن معيار التمسك بالسيادة، يفرض التمسك بالمقاومة نهجاً وخياراً إلى جانب الجيش والشعب في مواجهة "إسرائيل"، أما من يعمل في السر وفي العلن من أجل عرقلة بحث المندرجات الإصلاحية ويعارض احياء دور مؤسسات الدولة قبل القضاء على المقاومة، فهؤلاء هم دعاة التقسيم والفتنة.. فحذار من مشاريعهم الهدامة.